الضربات الأمريكية في اليمن.. مغامرة بـ 200 مليون دولار ذات تأثير محدود

في غضون ثلاثة أسابيع فقط، أنفق البنتاجون 200 مليون دولار على ذخائر دقيقة في حملته العسكرية والضربات الأمريكية في اليمن ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، والمعروفة باسم “عملية الفارس الخشن”.

على الرغم من التكلفة الباهظة، يُقرّ المسؤولون الأمريكيون سرًا بأن التقدم كان بطيئًا وأن نجاح الضربات كان محدودًا.

بينما يدّعي الرئيس ترامب علنًا أن الحوثيين قد “قُضي عليهم”، تشير التقييمات العسكرية إلى واقع مختلف: لم يكن للضربات سوى تأثير متواضع على ترسانة الحوثيين السرية وقدرتهم على شن هجمات صاروخية في المنطقة.

عملية “الفارس الخشن”: حملة مكلفة ومتواصلة

تُعدّ العملية العسكرية، التي سُمّيت تيمنًا بـ”الفارس الخشن” الذي قاده ثيودور روزفلت في الحرب الإسبانية الأمريكية، تصعيدًا كبيرًا للتدخل الأمريكي في الصراع اليمني.

فبالإضافة إلى استخدام ذخائر بقيمة 200 مليون دولار، نشرت الولايات المتحدة حاملتي طائرات، وقاذفات بي-2، وطائرات مقاتلة، وأنظمة دفاع جوي متطورة مثل باتريوت وثاد.

من المتوقع أن تتجاوز تكلفة العملية مليار دولار بحلول الأسبوع المقبل، مما يثير مخاوف بشأن استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية، لا سيما في ضوء الحاجة المحتملة لهذه الذخائر في مناطق استراتيجية أخرى، مثل مسرح عمليات المحيط الهادئ.

أهداف الجيش الأمريكي في اليمن واضحة: تعطيل قيادة وسيطرة ميليشيا الحوثي، وتدمير مخازن أسلحتهم، ووقف هجماتهم الصاروخية على الشحن التجاري في البحر الأحمر. ومع ذلك، وعلى الرغم من حملة القصف المكثفة، أظهر الحوثيون قدرة ملحوظة على الصمود، حيث عززوا مخابئهم ومنشآتهم الرئيسية الأخرى.

هذا جعل من الصعب على الولايات المتحدة تحقيق التأثير المنشود، إذ فشلت الضربات في تعطيل قدرات الميليشيا الصاروخية بشكل كبير.

نجاح محدود ومخاوف متزايدة بشأن التأثير على المدنيين

في حين أقرّ مسؤولو البنتاجون ببعض النجاح في تعطيل شبكات اتصالات الحوثيين والقضاء على قادة رئيسيين، لا تزال فعالية العملية على المدى الطويل موضع تساؤل.

أكد مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى أن الضربات حدّت فعليًا من قدرة الحوثيين على الرد بهجمات مضادة واسعة النطاق، لكن بعض الخبراء قلقون من أن القصف المستمر قد يُسبب ضررًا أكبر من نفعه.

وشكّلت الخسائر المدنية مصدر قلق متزايد. استهدفت عمليات البنتاجون مواقع عسكرية ومواقع للبنية التحتية، ولكن وردت تقارير عن ضربات أصابت مناطق سكنية.

في حادثة وقعت مؤخرًا في 15 مارس، أكد تقرير من منظمة “إيروورز” مقتل امرأة وأربعة أطفال في إحدى الهجمات. أثار هذا الأمر قلق منظمات حقوق الإنسان، حيث اتهم النقاد الولايات المتحدة بإعطاء الأولوية للأهداف العسكرية على سلامة المدنيين.

موقف إدارة ترامب المتشدد تجاه إيران والحوثيين

تُعدّ هذه الضربات جزءًا من استراتيجية إدارة ترامب الأوسع للضغط على إيران وحلفائها في الشرق الأوسط. وقد اتهم الرئيس ترامب إيران مرارًا بدعم ميليشيات الحوثيين، وطالب بوقف دعم طهران لهذه الجماعة فورًا.

كان خطاب ترامب لاذعًا، محذرًا من أن الولايات المتحدة ستُحاسب إيران على أفعالها في اليمن، بما في ذلك تعطيل ممرات الشحن الدولية في البحر الأحمر.

كما كرّر وزير الخارجية ماركو روبيو موقف ترامب المتشدد، مُشيرًا إلى أن الضربات ضرورية لحماية “حرية الملاحة” ومواجهة ما تعتبره الولايات المتحدة إرهابًا مدعومًا من إيران، إلا أن هذا النهج قوبل بتشكيك من المشرعين والخبراء الذين يُشككون في فعالية هذه الاستراتيجية، لا سيما في ضوء فشل جهود مماثلة خلال إدارة بايدن.

اقرأ أيضا.. كيف سرق قراصنة كوريا الشمالية 6 مليارات دولار عملات مشفرة لتمويل البرنامج النووي

الأثر الاستراتيجي: هل ستُحقق الضربات نجاحًا طويل الأمد؟

مع استمرار الولايات المتحدة في غاراتها الجوية، لا يزال بعض مسؤولي البنتاجون متفائلين بحذر. وقد أشار كبار مسؤولي وزارة الدفاع إلى نجاحات مبكرة في تعطيل قيادة الحوثيين والحد من الهجمات الصاروخية، وخاصة ضد أهداف في إسرائيل.

مع ذلك، يشكك آخرون في استدامة هذا النهج، ويحذرون من أن الحوثيين قد يعيدون تنظيم صفوفهم ويواصلون تشكيل تهديد، لا سيما مع قدرتهم على إخفاء الأسلحة وشن هجمات من منشآت تحت الأرض.

يُظهر الاستخدام المستمر للأسلحة المتطورة بعيدة المدى، مثل أسلحة المواجهة المشتركة وصواريخ كروز التي تُطلق جواً، التزام البنتاجون بهذه العملية، تسمح هذه الذخائر للجيش الأمريكي بضرب الأهداف من مسافة بعيدة، مما يقلل من المخاطر على الأفراد ويقلل من فعالية أنظمة الدفاع الجوي الحوثية.

مع ذلك، هناك مخاوف من أن استمرار نضوب هذه الذخائر قد يجعل الولايات المتحدة عرضة للخطر في مسارح صراع أخرى، لا سيما مع تصاعد التوترات في المحيط الهادئ.

السياق الأوسع: الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وما بعده

تُعدّ إجراءات إدارة ترامب في اليمن جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى التفاوض على اتفاق نووي جديد مع إيران، تُصوَّر الحملة العسكرية في اليمن كرسالة إلى طهران، تُظهر استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية لحماية مصالحها في المنطقة.

مع ذلك، يُجادل المنتقدون بأن هذا النهج من غير المرجح أن يُفضي إلى سلام أو استقرار دائمين، وقد يُفاقم عزلة حلفاء رئيسيين في الشرق الأوسط.

يُشكّل تركيز البنتاجون على الحوثيين، على أهميته، صرفًا للانتباه عن القضايا الجيوسياسية الأوسع في المنطقة، بما في ذلك التهديد المستمر الذي يُشكّله البرنامج النووي الإيراني والأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة في آسيا.

مع استنفاد الولايات المتحدة ذخائرها واستنزاف مواردها، يبقى أن نرى ما إذا كانت الضربات ستُحقق الأهداف طويلة المدى المتمثلة في إضعاف النفوذ الإيراني أم أنها ستُفاقم الصراع.

زر الذهاب إلى الأعلى