أوروبا تمتلك قوة اقتصادية.. هل تستطيع استخدامها ضد رسوم ترامب الجمركية

يجد الاتحاد الأوروبي، بصفته أكبر شريك تجاري لأمريكا، نفسه عالقًا في صراع اقتصادي معقد مع الولايات المتحدة بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن فرض رسوم ترامب الجمركية الشاملة يوم الأربعاء.

أحدثت هذه الرسوم، التي تستهدف مجموعة واسعة من المنتجات، من الإلكترونيات إلى المركبات، صدمةً عالمية، لا سيما داخل أوروبا، ودفعت صناع القرار إلى البحث عن رد فعل.

ومع النفوذ الاقتصادي الكبير للاتحاد الأوروبي، يدرس القادة الآن أفضل السبل لاستخدام نفوذهم لموازنة تكتيكات ترامب الاقتصادية العدوانية.

رسوم ترامب الجمركية: تحد لمعايير التجارة العالمية

أثارت أحدث إجراءات الرئيس ترامب الجمركية رد فعلٍ حاد من الاتحاد الأوروبي، الذي تُعاني دوله الأعضاء الآن من فرض ضرائب باهظة على مجموعة واسعة من الواردات إلى الولايات المتحدة.

تشمل هذه الرسوم ضريبة بنسبة 20% على السلع الأوروبية، ورسومًا جمركية متبادلة بنسبة 34% على الصين، مما يُشير إلى تحولٍ أوسع في السياسة التجارية الأمريكية في ظل إدارة ترامب.

يُمثل فرض مثل هذه الرسوم الجمركية الواسعة، حتى على حلفاء قدامى مثل اليابان وكوريا الجنوبية، انحرافًا جذريًا عن عقود من الممارسات التجارية التعاونية.

قوبل هذا الإعلان بالإحباط من القادة الأوروبيين، وخاصةً أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، التي أعربت عن خيبة أملها، قائلةً إن الأوروبيين شعروا “بخيبة أمل من أقدم حلفائنا”. على الرغم من ذلك، اتسم رد الاتحاد الأوروبي حتى الآن بالدبلوماسية، مع التركيز على التفاوض أملًا في تهدئة التوتر المتزايد.

مع ذلك، ومع تطور الوضع، تشير القوة الاقتصادية الأوروبية والأدوات التي تمتلكها في ترسانتها إلى أن الرد قد يتصاعد إلى ما هو أبعد من التدابير السابقة.

الثقل الاقتصادي لأوروبا: القوة في التجارة والخدمات

يمتلك الاتحاد الأوروبي عدة أدوات رئيسية لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية، وقد تصبح تجارة الخدمات حجر الزاوية في استراتيجيته. في عام 2023، سجل الاتحاد الأوروبي عجزًا في الخدمات مع الولايات المتحدة بلغ قرابة 120 مليار دولار، مما يُبرز الدور الحاسم الذي يلعبه المستهلكون الأوروبيون في سوق التكنولوجيا والخدمات الأمريكية.

تجد شركات مثل جوجل ومايكروسوفت، التي تعمل على نطاق واسع داخل أوروبا، نفسها مستهدفة بلوائح أو رسوم جمركية جديدة من الاتحاد الأوروبي ردًا على ذلك.

بدأت أوروبا بالفعل في إعداد تدابير مضادة، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على المنتجات والخدمات الأمريكية. في حين أن الرسوم الجمركية على السلع المادية قد تكون فعالة، إلا أن قدرة الاتحاد الأوروبي على الرد على هذا الصعيد محدودة، حيث أن أوروبا عادةً ما تُصدر إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد.

مع ذلك، من خلال التركيز على تجارة الخدمات، وخاصةً في قطاعات مثل التكنولوجيا، يُمكن للاتحاد الأوروبي أن يردّ بقوة على الشركات الأمريكية المهيمنة على السوق الأوروبية.

اقرأ أيضا.. 70 % متفائلون.. فرصة نادرة للتعافي في سوريا إذا بادر الغرب برفع العقوبات

“أداة مكافحة الإكراه”: سلاح أوروبا المحتمل

تُعدّ “أداة مكافحة الإكراه” إحدى أقوى الأدوات المتاحة لأوروبا، وهي آلية طُوّرت عام 2021 وسُنّت عام 2023، وتُتيح للاتحاد الأوروبي تطبيق مجموعة واسعة من التدابير المضادة ضد شركائه التجاريين.

تكون هذه الأداة حاسمة في الرد على رسوم ترامب الجمركية، إذ تشمل إمكانية فرض رسوم جمركية، وتقييد تجارة الخدمات، والحد من حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة.

في حين أن الاتحاد الأوروبي لم يُقرر بعد ما إذا كان سيلجأ إلى هذه الأداة، فإن احتمال استهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى يبقى احتمالًا قائمًا، خاصةً إذا تصاعدت الحرب التجارية. وهذا من شأنه أن يمنح أوروبا نفوذًا كبيرًا على شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة ذات الحضور الهائل في المنطقة، مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت.

مع ذلك، وكما أشار الخبراء، فإن استخدام هذا السلاح سيكون خطوة حساسة ومزعزعة للاستقرار، وقد تؤدي إلى تفاقم التوترات وتصعيد مؤلم قبل أن يكون أي خفض محتمل للتصعيد ممكنًا.

التفاوض مقابل القوة: معضلة أوروبا

أوضحت أوروبا أنها تفضل الحوار على مواجهة الولايات المتحدة في حرب تجارية شاملة. وقد أجرى مسؤولو الاتحاد الأوروبي مناقشات مع نظرائهم الأمريكيين، وبذل مفوض التجارة جهودًا لبدء محادثات، لكن التقدم كان بطيئًا.

لم تُظهر الإدارة الأمريكية استعدادًا كبيرًا للتفاوض، مع تزايد حدة خطاب ترامب ضد الاتحاد الأوروبي، مدعيًا أن الاتحاد “سرق أمريكا” وأنه أُنشئ “لخداع” الولايات المتحدة.

دفع هذا النقص في الاستجابة من جانب الولايات المتحدة بعض المحللين الأوروبيين إلى القول بأن أوروبا قد تحتاج إلى إظهار القوة بدلاً من الاعتماد على التفاوض وحده.

صرح مجتبى رحمن، المدير العام لأوروبا في مجموعة أوراسيا، بأن التحدي الذي تواجهه أوروبا يكمن في أن إدارة ترامب لا تستجيب للعروض الدبلوماسية، بل لاستعراض القوة. وأشار إلى أنه لكي تنجح أوروبا في حماية مصالحها، قد تحتاج إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد الصراع.

علاقة هشة عبر الأطلسي

يشير التوتر المستمر بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن السياسة التجارية إلى تحول أكبر في الديناميكيات العالمية. فبينما يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأهم لأمريكا، فإن الخلاف المتنامي بين القوتين يُعيد تشكيل العلاقات عبر الأطلسي.

ففرض الرسوم الجمركية، إلى جانب تجاهل ترامب للتحالفات متعددة الأطراف مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ترك أوروبا في حيرة من أمرها بشأن مستقبل علاقتها مع الولايات المتحدة.

يواجه القادة الأوروبيون، الذين لطالما حرصوا على التجارة الحرة والتعاون، الآن مهمة شاقة تتمثل في الموازنة بين مصالحهم الاقتصادية وضرورة تأكيد سيادتهم في مواجهة العدوان الأمريكي.

ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في الوقت الذي تُعدّ فيه أوروبا ردها، مع إجراءات انتقامية محتملة قد تُعيد تشكيل العلاقات التجارية العالمية وتُعقّد الشراكة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أكثر.

زر الذهاب إلى الأعلى