رسوم ترامب الجمركية.. أحدث مؤشر على شهيته للمخاطرة في ولايته الثانية

في خطوة جريئة ومثيرة للجدل، أعلن الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع عن رسوم جمركية عالمية شاملة، مما يُشير إلى تحول كبير في نهجه تجاه السياسة الخارجية والاستراتيجية الاقتصادية خلال ولايته الثانية.

تتجاوز هذه الرسوم الجمركية الموسعة توقعات العديد من الاقتصاديين، مما يُظهر استعداد ترامب لتحمل المخاطر واتخاذ قرارات مبنية على حدسه، حتى عندما يلوح في الأفق احتمال الفشل.

استعداد للمخاطرة بكل شيء

بعد عشرة أسابيع فقط من ولايته الثانية، أظهر ترامب استعدادًا راسخًا لاختبار حدود رئاسته. يوم الأربعاء، كشف عن سلسلة من الرسوم الجمركية التي قد تكون لها عواقب اقتصادية بعيدة المدى، سواء في الولايات المتحدة أو خارجها. عندما سُئل عن احتمال ارتفاع أسعار السيارات بسبب الرسوم الجمركية الجديدة، كان ترامب مُتجاهلًا، مُجيبًا: “لا أُبالي”.

يعكس هذا الموقف اتجاهًا مُتناميًا في أسلوب قيادته – استعداد لاتخاذ مواقف مُتطرفة وتحدي الوضع الراهن، بغض النظر عن التداعيات المُحتملة. تُشكّل إدارة ترامب في ولايته الثانية تناقضًا صارخًا مع ولايته الأولى، حيث ساد الحذر في كثير من الأحيان قراراته السياسية.

أما الآن، ومع تراجع القيود السياسية والقانونية، يبدو ترامب أكثر جرأة، وحريصًا على خوض غمار المجهول على الصعيدين المحلي والدولي. ويؤكد مستشاروه وشخصيات بارزة في إدارته أنهم لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى الالتزام بالمعايير التقليدية التي وجهت رئاسته المبكرة.

استراتيجية قائمة على الحدس لا على الاقتصاد

لطالما استرشد نهج ترامب تجاه الاقتصاد العالمي بإيمانه بأن أمريكا أولًا، ويُجسّد إعلانه هذا عن الرسوم الجمركية التزامه بإعادة تشكيل نظام التجارة العالمي. ويستند إيمانه بالحمائية – فرض رسوم جمركية لإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة – إلى رؤيته بأن “السلع الرخيصة” ليست جوهر الحلم الأمريكي.

أعرب وزير الخزانة سكوت بيسنت، وهو حليف رئيسي، عن رأي مماثل عندما جادل بأن المستهلكين الأمريكيين يجب أن يكونوا على استعداد لدفع أسعار أعلى لإنعاش قطاع التصنيع الأمريكي، حتى لو كان ذلك يعني تحدي معايير التجارة العالمية.

مع ذلك، لا يخلو هذا النهج من مخاطر كبيرة. فقد أثار الاقتصاديون والمحللون مخاوف بشأن احتمالية التضخم والركود التضخمي واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، والتي قد تضر جميعها بالاقتصاد الأمريكي على المدى القصير.

وحذر ماثيو ب. غودمان، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، من أن استراتيجية ترامب “تبالغ في الخيال” بافتراض أنها لن تُحدث آثارًا سلبية على الأسعار والنمو الاقتصادي.

مقامرة نهاية العولمة

يُعد إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية جزءًا من استراتيجية أوسع نطاقًا للابتعاد عن العولمة، التي طالما انتقدها. فمن خلال فرض رسوم جمركية على الواردات، يراهن ترامب أساسًا على أن الدول الأخرى ستُخفف حواجزها أمام السلع الأمريكية لتجنب الضرر الاقتصادي الذي ستُسببه هذه الرسوم الجديدة.

يرى أن هذا الموقف الحمائي سيؤدي إلى اقتصاد أمريكي أقوى، مع اعتماد أقل على ضرائب الدخل وانتعاش وظائف التصنيع داخل البلاد.

ومع ذلك، فإن رهان ترامب ليس خاليًا من التعقيدات. في حين وعد ترامب بأن هذه التغييرات ستُنشئ مصادر دخل جديدة وتُجبر الدول على فتح أسواقها، إلا أن اليقين بشأن تحقيق ذلك ضئيل. قد تُثير تعريفاته الجمركية، المُصممة لمعالجة اختلالات التجارة، إجراءات انتقامية من شركاء عالميين رئيسيين، بمن فيهم حلفاء تقليديون مثل اليابان وكوريا الجنوبية وحتى سويسرا.

يثير احتمال تعميق العزلة الاقتصادية، إلى جانب خطر تصعيد الحروب التجارية، تساؤلات حول ما إذا كانت الفوائد طويلة الأجل لهذه الاستراتيجية ستفوق تكاليفها المباشرة.

اقرأ أيضا.. 70 % متفائلون.. فرصة نادرة للتعافي في سوريا إذا بادر الغرب برفع العقوبات

النهج الترامبي للدبلوماسية

لا تُمثل تعريفات ترامب الجمركية مجرد مغامرة مالية، بل تُمثل أيضًا تحولًا استراتيجيًا في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع العالم.

ويُبرز استعداد ترامب للمخاطرة بتفكيك تحالفات راسخة، بل واستقرار حلف شمال الأطلسي، تركيزه الأوسع على الهيمنة الاقتصادية على العلاقات الدبلوماسية.

بينما تستهدف تعريفاته الصين في المقام الأول، فإنها قد تستهدف أيضًا دول الاتحاد الأوروبي والهند وشركاء تجاريين رئيسيين آخرين، مما يزيد من تعقيد المشهد العالمي.

بتركيزه على المعاملات الاقتصادية بدلًا من التحالفات التقليدية، يراهن ترامب على أن الدول ستُعطي الأولوية لمصالحها المالية على حساب المخاوف الجيوسياسية أو الأمنية. ويعتقد أن دولًا مثل الصين ودول الاتحاد الأوروبي ستختار في النهاية عدم تصعيد التوترات، خوفًا من تقلبات رئاسته.

فن إبرام الصفقات: التفاوض كوسيلة ضغط

تماشياً مع سمعته كصانع صفقات، صاغ ترامب هذه التعريفات الجمركية كبداية لعملية تفاوض. معدلات التعريفات الجمركية “المتبادلة” التي أعلن عنها ليست ثابتة، بل تُحسب بناءً على التعريفات الجمركية التي تفرضها الدول الأخرى على السلع الأمريكية.

يمنح هذا النهج المرن ترامب نفوذاً كبيراً لتعديل التعريفات الجمركية مع تطور المفاوضات، مع القدرة على “زيادتها أو خفضها” تبعاً لرد فعل الدول الأخرى.

يعكس هذا النهج التكتيكات التي بيّنها كتاب ترامب الشهير “فن إبرام الصفقات”، حيث يؤكد على أهمية النفوذ في ضمان شروط مواتية. باستخدام التعريفات الجمركية كأداة للتفاوض على الصفقات التجارية، يهدف ترامب إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، حتى لو تطلب ذلك مخاطرات كبيرة.

مستقبل ولاية ترامب الثانية: رئاسة تُحددها المخاطر

تتسم ولاية ترامب الثانية بإجراءات جريئة واستعداد لخوض مخاطرات كبيرة. من سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية إلى جهوده لتفكيك أجزاء من الحكومة الفيدرالية، من الواضح أن ترامب عازم على ترك بصمته على مستقبل البلاد.

بينما تُثير أفعاله انقسامات، ولا تزال عواقبها المحتملة غير واضحة، فإنها تُسلط الضوء على رئيس مُصمّم على تجاوز حدود منصبه، متحررًا من القيود السياسية التي أعاقته سابقًا.

مع تفاعل الاقتصاد العالمي مع هذه الرسوم الجمركية الجديدة، ستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت مقامرة ترامب على الحمائية ستُؤتي ثمارها أم ستؤدي إلى اضطرابات اقتصادية. المؤكد هو أن ولايته الثانية ستُميّزها الرغبة في المخاطرة – مخاطر قد تُعيد تشكيل مستقبل الولايات المتحدة والعالم.

يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه المخاطر ستُفيد الولايات المتحدة أم تُضرّها في النهاية، ولكن هناك أمر واحد واضح: شهية الرئيس ترامب للمخاطرة أكبر من أي وقت مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى