لبنان وسوريا.. بين صراعات السياسة وتوازنات المصالح

للحظة وجيزة في أواخر عام 2023، شهد كلٌّ من لبنان وسوريا موجات من التفاؤل. في سوريا، بدا السقوط المفاجئ لنظام الأسد، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لأكثر من خمسة عقود، وكأنه تحول جذري.
استقالة الديكتاتور المخضرم في ديسمبر، تلتها صعود زعيم وطني جديد، جهادي سابق تحول إلى دبلوماسي، ملأت شوارع دمشق بالاحتفالات. كان هذا بمثابة فصل جديد بعد أكثر من عقد من الحرب الوحشية.
في لبنان، كان المزاج العام متفائلاً بالمثل. شهد شهر يناير انتخاب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وهو شخصية وعدت بالإصلاح واستعادة السيادة اللبنانية. عزز تعيين نواف سلام، الرئيس السابق المرموق لمحكمة العدل الدولية، رئيسًا للوزراء، آمال التغيير. بالنسبة لبلدٍ خضع لحكم حزب الله لفترة طويلة، بدا هذا بمثابة نصرٍ طال انتظاره.
لكن سرعان ما تلاشت هذه النشوة المبكرة لتحل محلها حقيقةٌ أكثر واقعية: إن الطريق إلى التغيير الحقيقي محفوفٌ بالتحديات، وأنظمة السلطة القديمة لم تُهزم بعد.
الثورة المضادة ومقاومة التغيير
تُذكرنا التحديات الحالية في كلا البلدين بوضوحٍ بمدى قدرة المصالح المتجذرة على مقاومة التحولات السياسية. يُقدم التاريخ درسًا قيّمًا من ثورة مصر عام 2011. تشهد المرحلة الانتقالية في سوريا انتكاسة مماثلة. رغم سقوط نظام الأسد في البداية، فإن فلول النظام، إلى جانب قوات حزب الله، يعملون بنشاط على تخريب عملية الانتقال.
تواصل هذه القوات إثارة العنف الطائفي، وتحريض الانقلابات، والحفاظ على سيطرتها على مناطق رئيسية في البلاد. في غضون ذلك، يُظهر الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وإن كان أقل استبدادًا من الأسد، علامات مقلقة على ترسيخ سلطته، مُذكرًا السوريين بأن معركة التغيير الحقيقي لم تنتهِ بعد.
صراعات لبنان مع هياكل السلطة المتجذرة
في لبنان، أصبح واقع الفساد السياسي المتجذر جليًا أيضًا. أثار تعيين كريم سعيد، مدير الثروات ذي العلاقات الوثيقة بالنخبة المصرفية اللبنانية، حاكمًا للبنك المركزي، موجة غضب.
أعرب الإصلاحيون وخبراء السياسات والمودعون العاديون عن استيائهم لرؤية سعيد في هذا المنصب المحوري، خوفًا من أن يحمي القطاع المصرفي من المساءلة عن دوره في الانهيار المالي اللبناني.
أثارت علاقات سعيد بالنخبة الحاكمة، بما في ذلك أحد مستشاري الرئيس عون، عضو مجلس إدارة شركته الاستثمارية، مخاوف بشأن تضارب المصالح.
يُذكّر هذا التعيين بأن هيمنة حزب الله على الساحة السياسية اللبنانية ليست المشكلة الوحيدة التي تواجهها البلاد. فنظام النخب السياسية الراسخة، وكثير منهم أمراء حرب سابقون، لا يزال يزدهر في لبنان، مما يزيد من صعوبة مسار البلاد نحو إصلاح حقيقي. ولا تزال جذور النخبة السياسية الراسخة في مؤسسات البلاد عائقًا كبيرًا أمام التقدم.
اقرأ أيضًا: الكارثة الإنسانية في السودان.. خيارات الولايات المتحدة لمعالجة الأزمة
الدروس المستفادة والنضال المستقبلي
على الرغم من هذه الانتكاسات، تُقدّم تجربة كل من سوريا ولبنان دروسًا مهمة. ففي سوريا، أرست سنوات الحرب والتضحيات التي قدمها النشطاء والمحامون والمثقفون أسسًا لمقاومة مستقبلية. ورغم بقاء نظام الأسد في السلطة، إلا أن شبكة متنامية من قوى المعارضة مستعدة لتحدي قبضة النظام على البلاد. لهذا النضال طويل الأمد القدرة على تشكيل مستقبل سوريا، حتى لو كان التقدم بطيئًا.
في لبنان، لم يكن وصول عون وسلام إلى السلطة نتيجة تحول مفاجئ، بل تتويجًا لعقدين من الاحتجاجات الشعبية، والانتخابات المحلية، والجهود الحثيثة التي بذلها المرشحون المستقلون لتحدي الوضع الراهن.
بينما كانت الانتصارات الأولية مهمة، فإن المعركة الحقيقية تكمن الآن في محاسبة أصحاب السلطة. إن ضمان عدم تقويض شخصيات مثل عون وسلام وسعيد للإصلاح يتطلب نشاطًا مستمرًا، ونقاشًا عامًا، وضغطًا من المجتمع المدني.
الأهمية العالمية لصراعات لبنان وسوريا
تتجاوز تجارب سوريا ولبنان حدود الشرق الأوسط. فالنضال من أجل بناء حوكمة مسؤولة وشفافة هو نضال عالمي. في الديمقراطيات الغربية، وخاصةً الولايات المتحدة وأوروبا، يتزايد الشعور بالعجز في مواجهة الفوضى السياسية وصعود القادة الشعبويين.
الدرس المستفاد من سوريا ولبنان هو أن بناء المؤسسات الديمقراطية والحفاظ عليها عملية دؤوبة. كل انتكاسة، وكل فشل، جزء من رحلة طويلة نحو التغيير الحقيقي.
بالنسبة للسوريين واللبنانيين، لا يزال الكفاح مستمرًا، لكن تجاربهم تُلهم أولئك الذين يواجهون معارك مماثلة في أنحاء أخرى من العالم. إن النضال من أجل الديمقراطية والمساءلة والعدالة ليس سهلاً أبدًا، ولكنه نضال يجب أن يستمر، مهما كانت النكسات.