هل بريطانيا مستعدة للدفاع عن نفسها ضد الولايات المتحدة؟

القاهرة (خاص عن مصر)- مع استمرار المناقشات حول الكيفية التي قد تدافع بها بريطانيا عن نفسها بدون الولايات المتحدة، يلوح سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا لو احتاجت بريطانيا للدفاع عن نفسها ضد الولايات المتحدة؟ قد تبدو الفكرة غير واردة، لكن نقاط الضعف في البنية التحتية العسكرية والاستخباراتية للمملكة المتحدة تثير مخاوف ملحة.
وفقا لمقال جورج مونبيوت، في الجارديان، مع وجود رئيس الوزراء كير ستارمر حاليًا في واشنطن، فإن المشهد الجيوسياسي يتغير، إن الدعم المحتمل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب سياسته الخارجية غير المتوقعة، يثير مخاطر جديدة للأمن الأوروبي.
إذا ساعد ترامب بنشاط الأهداف العسكرية لروسيا، إما من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو المساعدات العسكرية، أو الإكراه الاقتصادي، فإن العواقب على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين قد تكون عميقة.
الدعم المحتمل لترامب لروسيا وعواقبه
أثار نهج ترامب القائم على المعاملات في الحكم بالفعل مخاوف من أنه قد يستغل الأصول الأمريكية لصالح روسيا، وقد يتجلى هذا بطرق مختلفة، مثل تقييد وصول أوكرانيا إلى شبكة الأقمار الصناعية ستارلينك الحيوية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع موسكو، أو حتى الدعم المالي والعسكري المباشر للقوات الروسية.
وإذا تطورت مثل هذه السيناريوهات، فقد تجد الدول الأوروبية، بما في ذلك بريطانيا، نفسها في مواجهة روسيا الجريئة بدون دعم الولايات المتحدة – أو ما هو أسوأ من ذلك، تقوضها السياسات الأمريكية بنشاط.
اقرأ أيضا.. الابتزاز النووي العالمي.. كيف تعمل سياسات ترامب على إعادة تشكيل التحالفات؟
الاعتماد الاستخباراتي والعسكري البريطاني على الولايات المتحدة
يمثل اتفاق تبادل المعلومات الاستخباراتية بين بريطانيا والولايات المتحدة من خلال تحالف “العيون الخمس” طبقة أخرى من الضعف، وتعاونت المملكة المتحدة والولايات المتحدة تاريخيًا في العديد من برامج الاستخبارات، بما في ذلك PRISM و ECHELON و Tempora و XKeyscore.
ومع ذلك، فإن هذا التشابك العميق يعني أيضًا أن الولايات المتحدة لديها وصول واسع النطاق إلى البنية التحتية الأمنية البريطانية.
في ضوء تعيين ترامب لتولسي جابارد ــ المتهمة على نطاق واسع بالترويج لسرديات موالية لروسيا ــ كمديرة للاستخبارات الوطنية، يتعين على بريطانيا أن تسأل نفسها ما إذا كان تبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن يعادل تبادلها مع موسكو.
القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي البريطانية: ضعف استراتيجي؟
تستضيف المملكة المتحدة ما لا يقل عن 11 قاعدة عسكرية أمريكية، بما في ذلك قاعدة سلاح الجو الملكي في ليكنهيث، وقاعدة سلاح الجو الملكي في مينويث هيل (مركز مراقبة تابع لوكالة الأمن القومي)، وقاعدة سلاح الجو الملكي في فيلينجديليس (جزء حاسم من الدفاع الصاروخي الأمريكي).
وتخدم هذه المنشآت المصالح الاستراتيجية الأمريكية، ولكن إذا تحولت السياسة الخارجية الأمريكية ضد أوروبا، فقد تشكل هذه القواعد التزامات بدلا من أصول.
مشكلة الترابط العسكري
إن اعتماد بريطانيا على المعدات العسكرية الأمريكية يزيد من تعقيد القضية، وتثير طائرات الشبح إف-35 البريطانية، المصممة والمسجلة ببراءة اختراع في الولايات المتحدة، مخاوف بشأن الاستقلال العملياتي، إن الولايات المتحدة قادرة نظريا على تعطيل أنظمة الدفاع الرئيسية أو حجب تحديثات البرامج الحاسمة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التقنيات الدفاعية الحاسمة – مثل نظام تحديد المواقع العالمي (المملوك لقوة الفضاء الأمريكية) والاتصالات عبر الأقمار الصناعية مثل ستارلينك (التي يسيطر عليها إيلون ماسك) – هي أصول أمريكية قد لا تتمكن بريطانيا من الاعتماد عليها بعد الآن.
الحاجة إلى الاستقلال الاستراتيجي
بينما يزعم البعض أن إعادة تسليح بريطانيا خطوة ضرورية لمواجهة التهديدات المتطورة، يجب على البلاد أيضًا إعادة تقييم إطارها الأمني الأساسي، قد يكون الانفصال عن التبعيات العسكرية الأمريكية، وتطوير قدرات استخباراتية مستقلة، والاستثمار في تقنيات الدفاع المحلية مكلفًا ولكنه ضروري للأمن على المدى الطويل.
لقد اتبعت فرنسا سياسة عسكرية وأمنية أكثر استقلالية، وتجنبت الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. لو اتبعت المملكة المتحدة مسارًا مماثلاً، فقد لا تواجه المأزق الحالي.
مع تزايد وضوح انحياز ترامب للأنظمة الاستبدادية ــ وهو ما تجلى مؤخرا في تصويت الولايات المتحدة وإسرائيل ضد قرار الأمم المتحدة الذي يدين غزو روسيا لأوكرانيا ــ فإن الحاجة إلى إرساء بريطانيا لاستقلال استراتيجي أكبر لم تكن أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
اختيار صارخ لمستقبل بريطانيا
إن التشابك العميق بين بريطانيا والشبكات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، التي كانت تعتبر ذات يوم ركيزة للأمن القومي، يمثل الآن خطرا كبيرا.
وإذا تحولت واشنطن نحو موقف مناهض لأوروبا، فيتعين على المملكة المتحدة أن تكون مستعدة لحماية سيادتها. وسوف يكون الانفصال عن التبعيات الأمريكية معقدا ومكلفا، ولكن الفشل في القيام بذلك قد يحمل ثمناً أعلى.