هل تدفع رسوم ترامب الجمركية أوروبا إلى أحضان الصين أم إلى القتال؟  

مع استمرار تأثير رسوم ترامب الجمركية على الواردات العالمية في العلاقات التجارية الدولية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عند مفترق طرق.

فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية، بما في ذلك ضريبة شاملة بنسبة 20% على السلع الأوروبية، ورسوم أعلى على منتجات رئيسية كالسيارات، أجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة النظر في خياراته التجارية.

بينما تُشكّل الصين بديلاً محتملاً للسوق الأمريكية، إلا أن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين لم تكن على ما يُرام في السنوات الأخيرة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه الآن عالقًا بين توتراته التاريخية مع الصين وحاجته المُلحة لتأمين أسواق استهلاكية جديدة مع تزايد القيود على وصوله إلى الاقتصاد الأمريكي.

معضلة أوروبا: هل هي تحول نحو الصين؟

مع مساهمة السوق الأمريكية بما يقارب 19 تريليون دولار من إنفاق المستهلكين، يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا كبيرة، إذ تُهدد رسوم الرئيس ترامب الجمركية قدرته على الحفاظ على علاقاته التجارية مع أكبر اقتصاد في العالم.

نتيجةً لذلك، تتطلع الشركات الأوروبية إلى الصين، ثالث أكبر سوق استهلاكية في العالم، لسد هذا الفراغ. إحصائيًا، تُعدّ الصين شريكًا تجاريًا منطقيًا؛ إلا أن الواقعين السياسي والاقتصادي يُعقّدان هذا التحول المُحتمل.

شهدت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين توتّرًا في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بالممارسات التجارية.

فقد دأب القادة الأوروبيون على انتقاد الصين بسبب الإفراط في الإنتاج وتشويه السوق، كما اعترض الاتحاد الأوروبي على موقف الصين في المسائل السياسية، بما في ذلك انحيازها إلى روسيا في سياق حرب أوكرانيا، على الرغم من ذلك، ومع استمرار تأثير الرسوم الجمركية، أظهر الاتحاد الأوروبي والصين بوادر مبكرة على تحسن العلاقات.

يُمثّل التزام الصين الأخير باستئناف محادثات التجارة مع الاتحاد الأوروبي – وخاصةً فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية – خطوةً إلى الأمام في المفاوضات.

صرح أولوف جيل، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون التجارية، بأن الجانبين اتفقا على إعادة النظر في مخاوف التسعير وسلسلة التوريد، على الرغم من الخلافات القائمة حول الرسوم الجمركية.

 رسوم ترامب الجمركية: مستقبل تجاري معقد

على الرغم من هذه الجهود الدبلوماسية، يتزايد القلق من أن يؤدي تراجع وصول الصين إلى الأسواق الأمريكية إلى زيادة صادراتها من السلع الرخيصة، بما في ذلك المعادن والمواد الكيميائية، إلى أوروبا.

يؤدي هذا إلى تفاقم المخاوف القائمة من إغراق السوق، ويؤدي إلى تدهور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين. ويحذر الخبراء من أن الاتحاد الأوروبي قد يرد برسوم جمركية جديدة أو حواجز تجارية أخرى، مما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات بشكل أكبر.

أبرزت تيريزا فالون، المحللة في مركز دراسات روسيا وأوروبا وآسيا في بروكسل، الوضع الصعب الذي تواجهه أوروبا قائلةً: “أوروبا في موقف صعب للغاية”، مُقرةً بصعوبة التعامل مع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مع السعي في الوقت نفسه إلى أسواق جديدة.

الاستجابة الأوروبية: البحث عن شركاء جدد

ردًا على تزايد حالة عدم اليقين وتزايد احتمالية الصراع مع الصين، تسعى أوروبا إلى بناء تحالفات تجارية جديدة. منذ أواخر عام 2024، عمل الاتحاد الأوروبي على توطيد علاقاته مع دول مثل الهند وكوريا الجنوبية والمكسيك وجنوب إفريقيا.

بالإضافة إلى ذلك، عززت أوروبا علاقاتها مع المملكة المتحدة وكندا، لا سيما في القضايا الدفاعية، في إطار سعيها لتنويع محفظة أعمالها التجارية خارج الولايات المتحدة والصين.

ومع ذلك، ورغم سعي أوروبا لتوسيع شراكاتها الاقتصادية، فإن استبدال السوق الأمريكية ليس بالمهمة السهلة. فالحجم الهائل للاقتصاد الأمريكي يجعلها شريكًا تجاريًا لا مثيل له، وأي جهد للتوجه نحو الصين كسوق رئيسية للاتحاد الأوروبي يواجه عقبات كبيرة، اقتصاديًا وسياسيًا.

اقرأ أيضا.. كيف سرق قراصنة كوريا الشمالية 6 مليارات دولار عملات مشفرة لتمويل البرنامج النووي

الصين والاتحاد الأوروبي: مسارات متباينة أم فرص جديدة؟

تشكّلت علاقة الاتحاد الأوروبي مع الصين بمزيج من المصالح الاقتصادية والحذر السياسي. أقرت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بأهمية التعاون البنّاء مع الصين، لكنها شددت أيضًا على ضرورة توخي الحذر عند قبول السلع الرخيصة وتجنب الاختلالات التجارية.

خلال خطاب ألقته في يناير، شددت فون دير لاين على أهمية توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية “حيثما أمكن”. إلا أن تعليقاتها الأخيرة حول تأثير رسوم ترامب الجمركية تُبرز تشكك الاتحاد الأوروبي في العلاقة الوثيقة للغاية مع الصين. وحذرت قائلةً: “لا يمكننا استيعاب فائض الطاقة الإنتاجية العالمية، ولن نقبل بإغراق سوقنا”.

ومن المخاوف الرئيسية أن تؤدي رسوم ترامب الجمركية إلى زيادة كبيرة في الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي، مما قد يثير رد فعل قويًا من الجهات التنظيمية الأوروبية. ومن المرجح أن يؤدي احتمال تطبيق سياسات تجارية جديدة، بما في ذلك الرسوم الجمركية أو غيرها من التدابير التنظيمية، إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.

 رسوم ترامب الجمركية: تشكيل أنماط التجارة العالمية

أشار نوح باركين، الباحث البارز في صندوق مارشال الألماني، إلى أن تعريفات ترامب الجمركية من المرجح أن تُحوّل الصادرات الصينية إلى أوروبا، مما يزيد من تعقيد ديناميكيات التجارة.

أشار إلى أن أوروبا ستستخدم على الأرجح كامل أدوات سياستها التجارية ردًا على زيادة وارداتها من السلع الصينية، مما قد يؤدي إلى سيناريو تتصاعد فيه التوترات بين الاتحاد الأوروبي والصين بشكل كبير.

يُسلط تقييم باركين الضوء على تعقيد المشهد التجاري، حيث تُعيد الاستراتيجيات الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة والصين تشكيل تدفقات التجارة العالمية. الاتحاد الأوروبي، وهو بالفعل لاعب رئيسي في التجارة الدولية، عالق بين خيارين: الرد على الممارسات الصينية والتكيف مع الواقع الاقتصادي المتغير الناجم عن رسوم ترامب الجمركية.

زر الذهاب إلى الأعلى