هل يتحول التنافس بين الصين وروسيا في إفريقيا إلى صراع؟

مع استمرار كل من الصين وروسيا في توسيع نفوذهما في أفريقيا، يلوح في الأفق صدام محتمل بين نهجيهما المتباينين. فبينما تسعى بكين إلى الاستقرار لحماية استثماراتها الضخمة، تزدهر موسكو في فوضى الصراع، وغالبًا ما تستخدم شركات عسكرية خاصة للحفاظ على الأمن في المناطق غير المستقرة.
هذا الاختلاف في الاستراتيجيات من شأنه أن يضع الصين وروسيا في مسار تصادمي غير مقصود، لا سيما مع بدء تداخل مصالحهما في الدول الأفريقية الرئيسية.
أهداف متباينة: الاستقرار في مواجهة الفوضى
ينبع انخراط الصين في أفريقيا من تركيز طويل الأمد على النمو الاقتصادي وتطوير البنية التحتية. وتؤكد مبادرة الحزام والطريق (BRI)، التي تمتد عبر القارة الأفريقية بأكملها تقريبًا، التزام الصين ببناء البنية التحتية وتعزيز العلاقات الاقتصادية.
في عام 2024، بلغ حجم التجارة بين الصين وأفريقيا 295 مليار دولار، مما يجعل الصين أكبر شريك تجاري منفرد في أفريقيا. استثمرت بكين بكثافة في بناء الموانئ والطرق والسكك الحديدية في جميع أنحاء القارة، راسخةً مكانتها كلاعب رئيسي في مستقبل أفريقيا الاقتصادي.
في المقابل، كان صعود روسيا في أفريقيا أحدث عهدًا، بدءًا من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. تعتمد استراتيجية روسيا بشكل كبير على توفير الأسلحة والدعم السياسي والخدمات الأمنية.
من خلال شركات عسكرية خاصة مثل مجموعة فاجنر، اكتسبت روسيا نفوذًا في دول تعاني من انعدام الأمن والاستقرار السياسي، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسودان. يزدهر دور موسكو في هذه البيئات غير المستقرة، حيث تتبادل المساعدة الأمنية مقابل الموارد الطبيعية.
أقرا أيضا.. وزير دفاع ترامب: أمريكا ستدافع عن تايوان ضد التهديدات الصينية
المنافسة المتزايدة بين الصين وروسيا في مجال الأسلحة والموارد
على الرغم من انخراط كلا البلدين في تجارة الأسلحة مع أفريقيا، إلا أن دورهما في هذا القطاع آخذ في التطور. لطالما هيمنت روسيا على صادرات الأسلحة إلى أفريقيا، حيث زودت العديد من المناطق غير المستقرة بالأسلحة.
مع ذلك، مع العقوبات الغربية التي تحد من قدرة روسيا على بيع الأسلحة، زادت الصين حصتها في سوق الأسلحة الأفريقية. وفقًا للتقارير الأخيرة، تتفوق روسيا على الصين بشكل طفيف، حيث تستورد 21% من الأسلحة إلى أفريقيا مقارنةً بـ 18% للصين.
يُثير هذا التحول توترات، لا سيما مع تنافس البلدين على النفوذ في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان، حيث تلعب مبيعات الأسلحة دورًا حاسمًا في الحفاظ على موطئ قدمهما.
بالإضافة إلى الأسلحة، تتنافس كل من الصين وروسيا على الوصول إلى الموارد المعدنية الغنية في أفريقيا. تسيطر الصين على جزء كبير من إنتاج أفريقيا من النحاس والكوبالت، وهما عنصران حيويان لسلاسل التوريد العالمية، وخاصة في قطاعي التكنولوجيا والطاقة.
تهيمن الشركات الصينية على عمليات التعدين في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث اندلع الصراع مؤخرًا بين الجماعات المتمردة والقوات الحكومية. حتى أن الصين تدخلت دبلوماسيًا، وضغطت على رواندا لوقف دعمها لمتمردي حركة 23 مارس (إم 23) من أجل حماية مصالحها التعدينية في المنطقة.
أثار وجود روسيا في مناطق غنية بالموارد مثل جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان مخاوف لدى الصين، إذ قد يُهدد عدم الاستقرار في هذه المناطق الاستثمارات الصينية.
يظل الهدف الرئيسي لبكين في أفريقيا هو حماية مصالحها الاقتصادية، وأي تحدٍّ لاستقرار المناطق التي استثمرت فيها قد يؤثر بشكل مباشر على استراتيجيتها طويلة المدى.
التداعيات الجيوسياسية: التنافس على النفوذ
على الرغم من أن الصين وروسيا تشتركان في أهداف مواجهة النفوذ الغربي في أفريقيا، وخاصةً وجود القوات العسكرية الأمريكية والفرنسية، إلا أن استراتيجياتهما غالبًا ما تتعارض.
فالصين أكثر تركيزًا على الحفاظ على مناخ استثماري مستقر، بينما تستفيد روسيا من نشر الفوضى وعدم الاستقرار، لا سيما في البلدان التي استثمرت فيها بكين استثمارات كبيرة في البنية التحتية.
على سبيل المثال، في ساحل العاج، الشريك التجاري الرئيسي للصين في غرب أفريقيا، تعمل روسيا على زيادة نفوذها، لا سيما من خلال حملات التضليل التي تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة. وقد أثار هذا قلق الصين، التي ستجد استثماراتها معرضة للخطر إذا أدت تكتيكات روسيا إلى مزيد من عدم الاستقرار.
إذا لجأت الدول الأفريقية بشكل متزايد إلى روسيا من أجل الأمن، فقد تعطي الأولوية للدعم العسكري الروسي على المصالح الاقتصادية الصينية، مما يقوض القيمة طويلة المدى لاستثمارات البنية التحتية الصينية.
دور المرتزقة ومتعهدي الأمن
قد يكمن أحد بؤر التوتر المحتملة في التوترات المستقبلية بين الصين وروسيا في أفريقيا في استخدام قوات الأمن الخاصة. فكما استخدمت روسيا المرتزقة بفعالية لدعم مصالحها في أفريقيا، قد تحذو الصين حذوها لحماية عملياتها من تنامي عدم الاستقرار الناجم عن الإجراءات الروسية.
تلجأ الشركات الصينية بشكل متزايد إلى خدمات الأمن الخاصة، مما قد يؤدي إلى نشر كل من الصين وروسيا مرتزقة لحماية مصالحهما.
قد يُؤدي هذا التحول إلى تعايشٍ غير مُريح بين القوتين، لا سيما في مناطق مثل جمهورية أفريقيا الوسطى وغينيا الاستوائية، حيث تتنافس مصالح الدولتين.
فبينما تُخطط الصين لبناء قاعدة بحرية في غينيا الاستوائية، تُقدم مجموعة فاجنر الروسية أيضًا مساعدة أمنية للحكومة. وقد يُؤدي هذا التداخل في المصالح إلى تصاعد المنافسة، وربما الصراع بين القوتين.
التكيفات الاستراتيجية ومستقبل العلاقات الصينية الروسية في أفريقيا
على الرغم من احتمالية نشوب صراع، أظهرت الصين وروسيا قدرةً على التعاون عندما يُناسب ذلك مصالحهما. وقد عمل البلدان معًا لتقويض النفوذ الغربي، لا سيما في الدول الأفريقية المُتحالفة مع فرنسا والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن التنافس المُتزايد على الموارد والنفوذ العسكري قد يُشكل اختبارًا لهذا التعاون الهش في السنوات المُقبلة.
ترتكز استراتيجية الصين طويلة المدى في أفريقيا على الاستقرار الاقتصادي والتنمية، بينما يعتمد نهج روسيا على استغلال عدم الاستقرار. ومع تعميق البلدين لانخراطهما في أفريقيا، قد تتعارض أهدافهما بشكل متزايد، لا سيما في الدول الغنية بالموارد حيث يتنافسان على النفوذ.